المقريزي

72

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ولم أدخل أرض مصر أن أرجع ، ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر ، فسيروا ، وامضوا على بركة اللّه . ويقال : بل كان عمرو بفلسطين ، فتقدّم عمرو بأصحابه إلى مصر بغير إذن ، فكتب فيه إلى عمر رضي اللّه عنه ، فكتب إليه عمر وهو دون العريش ، فحبس الكتاب فلم يقرأه حتى بلغ العريش ، فقرأه فإذا فيه من عمر بن الخطاب إلى العاصي ابن العاصي : أما بعد ، فإنك سرت إلى مصر ، ومن معك وبها جموع الروم ، وإنما معك نفر يسير ، ولعمري لو نكل بك ما سرت بهم ، فإن لم تكن بلغت مصر ، فارجع . فقال عمرو : الحمد للّه أية أرض هذه ؟ قالوا : من مصر فتقدّم كما هو ، ويقال : بل كان عمرو في جنده على قيسارية مع من كان بها من أجناد المسلمين ، وعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذ ذاك بالجابية ، فكتب سرّا فاستأذن أن يسير إلى مصر ، وأمر أصحابه ، فتنحوا كالقوم الذين يريدون أن يتنحوا من منزل إلى منزل قريب ، ثم سار بهم ليلا ، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذي فعل ، ورأوا أن قد غدر ، فرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب ، فكتب إليه عمر إلى العاصي ابن العاصي : أما بعد ، فإنك قد غررت بمن معك ، فإن أدركك كتابي ، ولم تدخل مصر فارجع ، وإن أدركك ، وقد دخلت فامض ، واعلم أنّي ممدّك . ويقال : إنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، كتب إلى عمرو بن العاص بعد ما فتح الشام : أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر ، فمن خف معك فسر به ، وبعث به مع شريك بن عبدة ، فندبهم عمرو ، فأسرعوا إلى الخروج مع عمرو ، ثم إنّ عثمان بن عفان رضي اللّه عنه دخل على عمر بن الخطاب ، فقال عمر : كتبت إلى عمرو بن العاص يسير إلى مصر من الشام ، فقال عثمان : يا أمير المؤمنين إنّ عمر لجريء وفيه إقدام وحبّ للإمارة ، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة ، فيعرّض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا ؟ فندم عمر على كتابه إلى عمرو ، وأشفق مما قال عثمان ، فكتب إليه : إن أدركك كتابي قبل أن تدخل إلى مصر ، فارجع إلى موضعك ، وإن كنت دخلت ، فامض لوجهك . فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر توجه إلى موضع الفسطاط ، فكان يجهز على عمرو الجيوش ، وكان على القصر رجل من الروم يقال له : الأعيرج ، واليا عليه ، وكان تحت المقوقس ، وأقبل عمرو حتى إذا كان بجبل الجلال نفرت معه راشدة ، وقبائل من لخم فتوجه عمرو حتى إذا كان بالعريش أدركه النحر ، فضحى عن أصحابه يومئذ بكبش ، وتقدّم ، فكان أوّل موضع قوتل فيه الفرما « 1 » قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر ، ثم فتح

--> ( 1 ) الفرما : مدينة قديمة آثارها باقية في الجنوب الشرقي من بور سعيد بمصر ويقال لها الفرماء وكانت هذه المدينة قائمة على جانب بحيرة تنيس مما يلي الشرق . معجم البلدان ج 4 / 254 .